سيد محمد طنطاوي

105

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( ذلِكَ ) * مبتدأ وخبره قوله - تعالى - * ( مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ) * والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب . وقوله * ( نُوحِيه إِلَيْكَ ) * جملة مستقلة مبينة للأولى . والضمير في * ( نُوحِيه ) * يعود إلى الغيب أي الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ، ونظهرك على قصص من تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار . ولذا قال - تعالى - * ( وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) * والأقلام جمع قلم وهي التي كانوا يكتبون بها التوراة ، وقيل المراد بها السهام . أي وما كنت - يا محمد - لديهم أي عندهم معاينا لفعلهم وما جرى من أمرهم في شأن مريم ، * ( إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ) * التي جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون فيما بينهم بسببها تنافسا في كفالتها . وقد سبق أن ذكرنا ما قاله صاحب الكشاف من أن مريم بعد أن ولدتها أمها خرجت بها إلى بيت المقدس فوضعتها عند الأحبار وقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ! ! فقالوا : هذه ابنة إمامنا عمران - وكان في حياته يؤمهم في الصلاة ، فقال لهم زكريا : ادفعوها إلى فأنا أحق بها منكم فإن خالتها عندي - فقالوا لا حتى نقترع عليها فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم ، فتولى كفالتها زكريا - عليه السّلام - « 1 » . فالضمير في قوله * ( لَدَيْهِمْ ) * يعود على المتنازعين في كفالة مريم لأن السياق قد دل عليهم . والمقصود من هذه الجملة الكريمة « وما كنت لديهم إذ يلقون إلخ تحقيق كون الإخبار بما ذكر إنما هو عن وحى من اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يكن معاصرا لهؤلاء الذين تحدث القرآن عنهم . ولم يقرأ أخبارهم في كتاب من الكتب ، ومع ذلك فقد أخبر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أهل الكتاب وغيرهم بالحق الذي لا يستطيعون تكذيبه إلا على سبيل الحسد والجحود ، فثبت أن القرآن من عند اللَّه - تعالى - ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّه لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً . ثم حكى - سبحانه - ما قالته الملائكة لمريم على سبيل تبشيرها بعيسى - عليه السّلام - فقال - تعالى - * ( إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّه يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه اسْمُه الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) * . وهذه الجملة الكريمة بدل اشتمال من جملة * ( وإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّه اصْطَفاكِ ) * . إلخ قالوا : ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة بين البدل والمبدل منه اعتراض جيء به تقريرا لما سبق وتنبيها على استقلاله .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 357 بتصرف يسير .